الجصاص
310
أحكام القرآن
الثلث للأكل والثلث للادخار والثلث للبائس الفقير . وفي قوله تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) دلالة على حظر بيعها ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " فكلوا وادخروا " وفي ذلك منع البيع . ويدل عليه ما روى سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال : أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة وقال : " اقسم جلودها وجلالها ولا تعط الجازر منها شيئا فإنا نعطيه من عندنا " . فمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى منها أجرة الجازر ، وفي ذلك منع من البيع ، لأن إعطاء الجازر ذلك من أجرته هو على وجه البيع . ولما جاز الأكل منها دل على جواز الانتفاع بجلودها من غير جهة البيع ، ولذلك قال أصحابنا : " يجوز الانتفاع بجلد الأضحية " ، وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة . وقال الشعبي : كان مسروق يتخذ مسك أضحيته مصلى فيصلي عليه . وعن إبراهيم وعطاء وطاوس والشعبي : أنه ينتفع به . قال أبو بكر : ولما منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى الجازر من الهدي شيئا في جزارتها وقال : " إنا نعطيه من عندنا " دل ذلك على معنيين ، أحدهما : أن المحظور من ذلك أن يعطيه منها على وجه الأجرة لأن في بعض ألفاظ حديث علي : " وأمرني أن لا أعطي أجر الجزار منها " وفي بعضها : " أن لا أعطيه في جزارتها منها شيئا " فدل على أنه جائز أن يعطي الجزار من غير أجرته كما يعطي سائر الناس . وفي دليل على جواز الإجارة على نحر البدن ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نحن نعطيه من عندنا " وهو أصل في جواز الإجارة على كل عمل معلوم . وأجاز أصحابنا الإجارة على ذبح شاة ، ومنع أبو حنيفة الإجارة على قتل رجل بقصاص ، والفرق بينها أن الذبح عمل معلوم والقتل مبهم غير معلوم ولا يدرى أيقتله بضربة أو ضربتين أو أكثر . قوله تعالى : ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ) . روى عبد الملك عن عطاء عن ابن عباس قال : " التفث الذبح والحلق والتقصير وقص الأظفار والشارب ونتف الإبط " . وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد مثله ، وكذلك عن الحسن وأبي عبيدة . وقال ابن عمر وسعيد بن جبير في قوله : ( تفثهم ) قال : " المناسك " . وروى أشعث عن الحسن قال : " نسكهم " . وروى حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قال : " الشعر والأظفار " . وقيل : " التفث قشف الإحرام وقضاؤه بحلق الرأس والاغتسال ونحوه " . قال أبو بكر : لما تأول السلف قضاء التفث على ما ذكرنا دل ذلك على أن من قضائه حلق الرأس ، لأنهم تأولوه عليه ، ولولا أن ذلك اسم له لما تأولوه عليه ، إذ لا يسوغ التأويل على ما ليس اللفظ عبارة عنه ، وذلك دليل على وجوب الحلق لأن الأمر على الوجوب ، فيبطل قول من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام . ومن الناس من